العلامة المجلسي

109

بحار الأنوار

من أن يتولى ذلك بنفسه ، وفعل رسله وملائكته فعله ، لأنهم بأمره يعملون فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه ، وهم الذين قال الله فيهم : الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " ( 1 ) . فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة ، ومن كان من أهل المعصية تولى قبض روحه ملائكة النقمة ، ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة والنقمة ، يصدرون عن أمره ، وفعلهم فعله ، وكل ما يأتونه منسوب إليه ، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت ، ففعل ملك الموت فعل الله ، لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء ، ويعطي ويمنع ، ويثيب ويعاقب ، على يد من يشاء ، وإن فعل امنائه فعله ، كما قال : " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " ( 2 ) . وأما قوله : " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن " ( 3 ) وقوله : " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " ( 4 ) فان ذلك كله لا يغني إلا مع الاهتداء ، وليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به الغواة ، ولو كان ذلك كذلك ، لنجت اليهود مع اعترافها ، بالتوحيد ، وإقرارها بالله ونجا سائر المقرين بالوحدانية من إبليس فمن دونه مع الكفر ، وقد بين الله ذلك بقوله : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون " ( 5 ) وبقوله : " الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " ( 6 ) . وللايمان حالات ومنازل يطول شرحها ، ومن ذلك أن الايمان قد يكون على وجهين : إيمان بالقلب ، وإيمان باللسان ، كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قهرهم السيف ، وشملهم الخوف ، فإنهم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم ، فالايمان بالقلب هو التسليم للرب ومن سلم الأمور

--> ( 1 ) الحج : 75 . ( 2 ) الانسان : 30 ، التكوير : 29 . ( 3 ) الأحزاب : 72 . ( 4 ) طه : 82 . ( 5 ) الانعام : 82 . ( 6 ) المائدة : 41 .